أولا:
نبذة
تــاريـخية مـــوجــزة
|
إن المجلس الدستوري الجزائري الذي يقترن تاريخه بتاريخ الدســاتير الـــجزائــرية، ظلّ يــتـطور بــشــكــل متـــقاطــع، فبعد " إجهاض " إقراره في أول دستور جزائري، واختفائه في ثاني دستور جــزائــري وتعديلاتــه المتتالية، ظــهر مــن جديد في ثالث دستور جزائري، ويسعى اليوم، بعد مرور عشرين سنة من وجوده، إلى فرض وجوده في الساحة السياسية والمؤسساتية للبلاد. ويبيّن التاريخ الدستوري الجزائري أن المسار الذي انبثق عنه شكل المجلس الدستوري الحالي، من حيث صلاحياته وتشكيلته وتنظيمه وسيره، قد مرّ عبر أربع مراحل. |
أول مــرحــلــة كانـت عام 1963، إذ نصّ أول دستور الجزائر المستقلة في مادتــه 63 عــلى إنشـــاء مجلس دستوري يتولى حسب ما ورد في المادة 64 منه صلاحية: " الفصل في دستورية القوانين والأوامر التشريعية بطلب من رئيس الجمهورية أو رئيس المجلس الوطني ". غير أن تنصيب هذه المؤسسة لم يتم، ولم يتاح لها بالتالي، ممارسة الصلاحيات الدستورية المخولة إياها بسبب الظروف السياسية المعروفة التي سادت تلك الفترة.
ثـــانــي مـرحـلــة كانت مع دستور 26 نوفمبر، 1976 فهذا الدستور لم يتضمن إقرار هيئة تتولى الرقابة الدستورية وإن نصت مادته 186 على أن : " الأجهزة القيادية في الحزب والدولة تــمارس الرقابة السياسية المناط بها، وذلك طبقا للميثاق الوطني ولأحكام الدستور".
ثـــالــث مــرحلــة كانت مع بروز فكرة الرقابة الدستورية من جديد في النقاشات السياسية، بحيث أوصى المؤتمر الخامس لحزب جبهة التحرير الوطني ( الحزب الواحد قبل إقرار التعددية الحزبية) بإنشاء جهاز أعلى تحت سلطة رئيس الجمهورية، الأمين العام للحزب، يكلف بالفصل في دستورية القوانين قصد ضمان احترام سمو الدستور، وتدعيم مشروعية وسيادة القانون، وتعزيز الديمقراطية المسئولة في بلادنا ودعمها. غير أن هذه التوصية لم تدرج في الدستور وبقيت دون تجسيد.
رابـــع مــرحــلــة هي تلك التي تزامنت مع التعديل الدستوري في 23 فبراير 1989، وهو تعديل في درجة كبيرة من الأهمية، إذ نصّ، إلى جانب تكريس التعددية الحزبية السياسية والحريات العمومية وتبني مبدأ الفصل بين السلطات، على إنشاء مجلس دستوري يتمتع بصلاحيات أهم من تلك المخولة إياه بموجب دستور 1963، نذكر منها، على الخصوص، رقابة دستورية المعاهدات والقوانين والتنظيمات ورقابة صحة الاستشارات السياسية الوطنية، بالإضافة إلى صلاحيات استشارية يمارسها في ظروف خاصة.
إن ميلاد الرقابة الدستورية من جديد يعدّ خطوة هامة في مسيرة بناء دولة القانون، وقد تعززت هذه الخطوة في ضوء التعديل الدستوري لـــ 28 نوفمبر 1996 الذي أقــرّ توسيع صلاحيات المجلس الدستوري لتشمل رقابة القوانين العضوية، رقابة إجبارية قبل إصدارها، وفتح مجال الإخطار أمام سلطة دستورية جديدة وهي رئيس مجلس الأمة، كما رفع عدد أعضاء المجلس الدستوري من 07 إلى 09 أعضاء.
وينتظر أن يتبع هذا التطور الذي عرفه المجلس الدستوري بلمسات متعاقبة بتطورات أخرى في المستقبل.