تـمـهـيد
لقد استعاد الشعب الجزائري استقلاله بعد
كفاح طويل، و حرب تحريرية خاضها بقيادة جبهة
التحرير الوطني و جيش التحرير الوطني، فكانت
حربا ضارية سيخلدها التاريخ ملحمة من ملاحمه
الكبرى التي ميزت انبعاث شعوب
العالم الثالث. و منذ الاستقلال اندفع
الشعب الجزائري بكل حزم، في بناء الدولة و
تشييد مجتمع جديد، أساسه القضاء على استغلال
الإنسان للإنسان، و غايته ازدهار شخصية الفرد
و ترقية الجماهير الشعبية، في إطار الإختيار
الإشتراكي.
إن المصادقة الشعبية على الميثاق الوطني
في استفتاء 27 يونيو 1976، قد أتاحت من جديد،
فرصة أخرى، للثورة الجزائريــة كــي تحـدد
مذهبها و ترسم استراتيجيتها على ضوء الإختيار
الإشتراكي الذي لا رجــعــة فيه. و من هنا
ينطلق الشعب الجزائري في مسيرته نحو الرقي، و
هو يتصور بوضوح المجتمع الذي يعتزم تشييده.
و يمثل الدستور أحد الأهداف الكبرى
المسطرة في الميثاق الوطني. فإعـداده و
تطبيقه استمرار و تتمة لذلك العمل الذي
تواصل، دون كلل، منذ التصحيح التاريخي في 19
يونيو 1965، من أجل أن تقيم الأمة دولة منظمة
على أساس عصري ديمقراطي، و في سبيل ترجمة
الأفكار التقدمية إلى إنجازات ملموسة نطبع
الحياة اليومية، و تدفع محتوى الثورة
الشعبية، بما تخلقه من حركية في الفكر و
العمل، نحو الإرتباط النهائي بالاشتراكية.
و تقوم دعائم الدولة الجزائرية التي
استعادت كامل سيادتها، على مشاركة الجماهير
الشعبية في تسيير الشؤون العمومية و خوضها
النضال من أجل التنمية التي تستهدف خلق
القاعدة المادية للإشتراكية، بعد أن تم تحرير
الإقتصاد الوطني من كل تسلط إمبريالي. و بهذا
يعمل الشعب الجزائري في جميع الميادين، كل
يوم أكثر، لتوسيع جبهة نضاله، و تعزيز مسيرته
نحو الرقي الإقتصادي و الإجتماعي و الثقافي.
إن
الجزائر تحتل اليوم مكانة بارزة على المستوى
الدولي، بفضل الإشعاع العالمي لثورة فاتح
نوفمبر 1954. و بفضل الإحترام الذي استطاعت
بلادنا أن تكتسبه بوقوفها إلى جانب القضايا
العادلة في العالم. كما أنها قد فرضت نفسها،
بما بذلته، على المستوى الداخلي، من جهد جاد
يتمثل في التنظيم و التنمية، ذلك الجهد الذي
يتميز بتوخي العدالة في توزيع الدخل القومي و
استخدامه، وبالسعي لترقية الجماهير التي
عانت الاستغلال الإستعماري، و مظالم النظام
الموروث عن الماضي، أكثر من غيرها.
إن تنظيم مؤتمر جبهة التحرير الوطني الذي
سيحدد للحزب قوانينه الأساسية و يعطيه هيئاته
القيادية، لتتويج لهذا الجهد المبذول من أجل
إقامة مؤسسات للأمة "تخلد بعد الأحداث و
زوال الرجال" كما جاء في بيان 19 يونيو 1965.
و هكذا يتم الوفاء، على أكمل وجه، بالعهد
المشهود الذي أخذ أمام الشعب يوم 19 يونيو 1965،
في ظل استمرار و توطيد المثل النبيلة التي
كانت منذ البداية، محركا لثورة الأول من
نوفمبر 1954 العظيمة.